استعرض الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال أسبوع امتد من 26 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2026، سلسلة من الاجتماعات والجولات واللقاءات التي شملت ملفات الأمن المائي، والسلع التموينية، والتشجير، والتعدين، والاستعدادات لمؤتمر أكتوبر، إلى جانب عرض مؤشرات الاقتصاد المصري خلال اجتماع موسع مع رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين، وفق ما أورده المركز الإعلامي لمجلس الوزراء. وجاءت التحركات الحكومية خلال هذا الأسبوع متداخلة بين ملفات داخلية تتصل بالخدمات والمعيشة والتنمية الحضرية، وملفات خارجية تتعلق بموقف مصر في الأمم المتحدة والقضية الفلسطينية، بما يعكس اتساع نطاق المتابعة الحكومية خلال الفترة المشار إليها.
الأمن المائي وموقف مصر في الأمم المتحدة
في نيويورك، ألقى مدبولي بيان مصر أمام جلسة النقاش العام للشق رفيع المستوى من أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث شدد على أن الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة، وأن الموارد المشتركة لا تُدار بإجراءات أحادية أو بسياسة فرض الأمر الواقع. وأكد احتفاظ مصر بحقها المشروع، المكفول بميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية للشعب المصري. وجاء هذا الموقف في إطار تأكيد رسمي على أن ملف المياه بالنسبة لمصر لا يُنظر إليه باعتباره شأنًا فنيًا أو تفاوضيًا محدودًا، بل باعتباره مسألة تمس أساس الأمن القومي والوجود الوطني.
وفي السياق نفسه، دعا رئيس الوزراء إلى تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والانتقال إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار. كما أكد رفض مصر القاطع لأي محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، سواء من قطاع غزة أو من الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، بحسب ما نقلته المصادر التي تابعت تحركاته خلال الأسبوع. ويضع هذا الموقف الملف الفلسطيني إلى جانب الأمن المائي ضمن أولويات الخطاب المصري في المحافل الدولية خلال الفترة محل الرصد، مع التشديد على ثوابت السياسة المصرية تجاه الحقوق الفلسطينية ورفض أي ترتيبات تفرض واقعًا جديدًا بالقوة.
مؤشرات الاقتصاد ورسائل النمو والدين
وخلال كلمة ألقاها في اجتماع رئيس الجمهورية بمجلسي الوزراء والمحافظين وكبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والشرطة المدنية والعُمد والمشايخ، عرض مدبولي مؤشرات اقتصادية قال إنها تعكس تحسنًا في الأداء الكلي. وأشار إلى أن الاقتصاد المصري حقق معدل نمو بلغ 5.1% خلال العام المالي الماضي، مدفوعًا بنمو القطاعات الأساسية، كما تراجع التضخم إلى 12.7%، وسجل معدل البطالة 5.8%. وقدّم هذه الأرقام بوصفها مؤشرات على تحسن نسبي في البيئة الاقتصادية، وعلى استمرار الحكومة في متابعة مسار الاستقرار الكلي.
وأوضح رئيس الوزراء أن الحكومة تعمل على توفير فرص عمل أكثر جودة واستدامة، لافتًا إلى انخفاض نسبة الدين العام من نحو 96% إلى 81.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامين، مع وضع خطة للوصول بها إلى 75%. ووفق ما عرضه، فإن هذا المسار يهدف إلى إتاحة مساحة مالية أكبر للإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الأساسية. وتأتي هذه الرسائل في سياق إبراز ما تعتبره الحكومة تقدمًا في مؤشرات الاقتصاد الكلي، مع ربط ذلك مباشرة بقدرة الدولة على توسيع الإنفاق الاجتماعي وتحسين جودة الخدمات العامة.
الاستعداد لمؤتمر أكتوبر
احتلت التحضيرات لمؤتمر أكتوبر جانبًا بارزًا من نشاط رئيس الوزراء خلال الأسبوع، إذ عقد اجتماعين منفصلين مع وزراء الصحة والاتصالات والعدل، ومع وزراء النقل والتنمية المحلية والإسكان ومساعد رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، لمتابعة الترتيبات الخاصة بالمؤتمر الذي دعا إليه رئيس الجمهورية لعرض ما تحقق خلال السنوات الماضية. ويظهر من طبيعة الاجتماعين أن التحضير للمؤتمر شمل قطاعات خدمية وبنية أساسية ومجالات رقمية وصحية وقانونية، بما يتيح عرضًا واسعًا لملفات الأداء الحكومي.
وخلال اجتماعه مع وزراء الصحة والاتصالات والعدل، تابع مدبولي ترتيبات إدراج جلستين حول ملفي «صحة المواطن» و«مصر الرقمية»، مؤكدًا حرصه على أن يكون المؤتمر منصة للتواصل والتفاعل مع المواطنين والاستماع إلى مطالبهم وشكاواهم واحتياجاتهم والإجابة عن تساؤلاتهم. كما وجه برصد جميع الملاحظات المتصلة بعمل الوزارات، استعدادًا لتفنيدها والرد عليها خلال المؤتمر، مشيرًا إلى أنه سيعرض رؤية الدولة لتطوير الخدمات في هذه الملفات خلال الفترة المقبلة. ويعكس هذا التوجه رغبة في أن يتجاوز المؤتمر مجرد استعراض الإنجازات إلى مساحة مباشرة لعرض الأسئلة والردود وتوضيح السياسات.
وفي الاجتماع الآخر، شدد على ضرورة حصر كل التساؤلات وتفنيدها والإجابة عنها خلال المؤتمر، وتوضيح ردود الحكومة على الانتقادات المختلفة التي تُوجه للقطاعات المتنوعة. واستعرض الاجتماع أبرز محاور قطاعات الطرق والنقل والإسكان ومرافق مياه الشرب والصرف الصحي، ومشروعات مبادرة «حياة كريمة» والتنمية المحلية، إلى جانب التساؤلات المثارة بشأنها. وبذلك اتسع نطاق الإعداد للمؤتمر ليشمل ملفات تمس حياة المواطنين اليومية، من المرافق والخدمات إلى مشروعات التنمية المحلية، بما يضمن أن تكون الرسائل الحكومية موجهة إلى القضايا الأكثر حضورًا في النقاش العام.
التشجير وتخضير القاهرة الكبرى
تابع رئيس الوزراء أيضًا الموقف التنفيذي لمشروع «تخضير القاهرة الكبرى»، وعقد اجتماعًا في هذا الشأن، أكد خلاله أهمية التوسع في تشجير المحاور والميادين والطرق، واختيار الأشجار والنباتات الملائمة للظروف البيئية والمناخية وقليلة استهلاك المياه، مع الاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة في الري، والاهتمام بالصيانة والرعاية المستمرة للمسطحات الخضراء. ويأتي هذا التوجه في إطار ربط تحسين المشهد الحضري بالاعتبارات البيئية وترشيد استخدام المياه، مع التركيز على استدامة المساحات الخضراء لا مجرد إنشائها.
وخلال الاجتماع، جرى استعراض الإعداد لإقامة حدائق عامة بالمدن الجديدة، من بينها حديقة كبيرة وبحيرة صناعية على أرض مقلب القمامة الذي تم إخلاؤه بمدينة العبور الجديدة. كما تابع مدبولي استعدادات تشغيل حديقة «تلال الفسطاط» والبرامج والفعاليات الجاري تجهيزها، وكلف بتحديد موعد افتتاحها الرسمي، مشددًا على الالتزام بالبرامج الزمنية للمشروع. ويشير ذلك إلى أن المشروع لا يقتصر على إنشاء مساحات خضراء فحسب، بل يمتد إلى تجهيز مواقع ترفيهية وعامة جديدة ضمن خطة أوسع لتطوير القاهرة الكبرى والمدن الجديدة المحيطة بها.
وفي جولة تفقدية بمحافظة القاهرة، زار رئيس الوزراء عددًا من مشروعات الزراعة والتشجير، شملت أعمال التشجير أسفل كوبري إبراهيم العرابي، وبمنطقة كوبري أثر النبي، وأسفل محور الحضارات. وأكد استمرار التوسع في المساحات الخضراء واستغلال الأراضي غير المستغلة لتحسين البيئة الحضرية وزيادة نصيب الفرد منها. كما أشارت المتابعة إلى زراعة أكثر من 3 آلاف شجرة ونحو 700 ألف من الشجيرات والنباتات، مع استهداف زراعة مليون نبتة خلال عام، منها 60 ألف شجرة، مع اختيار الأنواع الملائمة للبيئة المصرية وقليلة استهلاك المياه. وتوضح هذه الأرقام حجم العمل الجاري في ملف التشجير، والاتجاه إلى تحويل المساحات غير المستغلة إلى عناصر داعمة لجودة الحياة في العاصمة.
السلع التموينية والدعم والأسواق
وفي ملف السلع الأساسية، عقد مدبولي اجتماعًا مع وزير التموين والتجارة الداخلية لمتابعة انتظام منظومتي الخبز والسلع التموينية وتوافر السلع الأساسية. واطمأن على انتظام المنظومتين وتوافر الدقيق اللازم للمخابز، ووجّه بمواصلة المتابعة اليومية لضمان انتظام الإمدادات، واستمرار الرقابة وسرعة التعامل مع أي شكاوى أو ملاحظات. ويعكس هذا الاجتماع استمرار التركيز الحكومي على الملفات المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي اليومي للمواطنين، وعلى ضمان انسياب الإمدادات في الأسواق والمخابز.
كما استعرض الاجتماع موقف الأرصدة والمخزون الاستراتيجي وإجراءات استقرار الأسواق وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. وأشار إلى إضافة 18 سلعة جديدة ضمن مبادرة خفض أسعار السلع، ليرتفع إجمالي السلع المطروحة من 12 إلى 30 سلعة، بما يسهم في زيادة المعروض وتنويع الأصناف المتاحة بأسعار مخفضة وتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين. وتأتي هذه الخطوة ضمن أدوات الحكومة للتعامل مع الضغوط المعيشية عبر توسيع نطاق السلع المخفضة، مع ربط ذلك بمتابعة المخزون الاستراتيجي وآليات الدعم.
التعدين وجذب الاستثمار
وفي قطاع التعدين، عقد رئيس مجلس الوزراء مائدة مستديرة مع ممثلي كبرى شركات التعدين المحلية والعالمية، ضمن فعاليات «منتدى مصر للتعدين 2026»، لبحث تطوير القطاع وتعزيز ثقة المستثمرين. وأشار إلى استعداد الحكومة لتقديم مختلف الحوافز والتيسيرات، بل والدخول في شراكات، بما يسهم في تسريع الوصول إلى مرحلة الإنتاج. ويعكس هذا اللقاء رغبة معلنة في تحويل النقاش حول التعدين من مجرد عرض للفرص إلى ترتيبات عملية تدفع نحو التنفيذ والإنتاج.
وشهد اللقاء مناقشة سبل تعظيم القيمة المضافة عبر التوسع في معالجة الخامات وتصنيعها، وتسريع إجراءات الاستثمار والتراخيص والموافقات البيئية. وأكد مدبولي انفتاح الحكومة على مقترحات المستثمرين وأطر التعاون لتطوير قطاع التعدين، في إطار مساعٍ أوسع لدعم النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات. ويضع هذا التوجه قطاع التعدين ضمن القطاعات المرشحة لتوسيع مساهمتها في الاقتصاد، من خلال تحسين بيئة الاستثمار وتسهيل الإجراءات وربط الاستخراج بعمليات التصنيع والمعالجة.
خلاصة الأسبوع
تُظهر تحركات رئيس الوزراء خلال الأسبوع مزيجًا من الملفات الخارجية والداخلية، من عرض موقف مصر بشأن الأمن المائي وغزة في الأمم المتحدة، إلى متابعة مؤشرات الاقتصاد، والاستعداد لمؤتمر أكتوبر، والإشراف على مشروعات التشجير والسلع التموينية والتعدين. ووفق ما عرضه خلال الاجتماعات المختلفة، فإن الحكومة تسعى إلى ربط تحسين الخدمات العامة وتوسيع المساحات الخضراء ودعم الأسواق وجذب الاستثمار بمسار اقتصادي واجتماعي أوسع خلال المرحلة المقبلة. كما تكشف هذه المتابعة المتوازية عن محاولة لتجميع الملفات ذات الصلة بالحياة اليومية للمواطنين، وبالرسائل السياسية والاقتصادية للدولة، ضمن أسبوع واحد من العمل الحكومي المكثف.