فؤاد أبوهميلة :-
هل بدأ العد التنازلي لنظام أردوغان؟
صباح يوم 19 مارس 2025، استيقظت تركيا على خبر صادم: اعتقال أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، بتهم تتعلق بالفساد والتعاون مع جهات معادية للدولة.
الخبر لم يكن مجرد حدث قانوني عابر، بل بدا وكأنه لحظة مفصلية في المشهد السياسي التركي، خاصة أن إمام أوغلو كان يُنظر إليه كأحد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات المقبلة.
المشهد لم يكن مفاجئًا تمامًا، فالعلاقة بين أردوغان وإمام أوغلو كانت متوترة منذ فوز الأخير ببلدية إسطنبول عام 2019، وهو المنصب الذي كان بمثابة نقطة ارتكاز رئيسية في صعود أردوغان نفسه إلى السلطة قبل عقدين من الزمن.
لكن السؤال الأهم الآن: هل يمكن أن يتحول هذا الاعتقال إلى شرارة تُشعل انتفاضة سياسية ضد أردوغان؟
أولًا: لماذا اعتُقل إمام أوغلو الآن؟
التبرير الرسمي لاعتقال إمام أوغلو جاء تحت لافتة “مخالفات مالية وفساد إداري”، وهي تهمة تم استخدامها كثيرًا ضد شخصيات معارضة في تركيا.
لكن توقيت الاعتقال قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية يثير العديد من الشكوك.
حسابات سياسية: يمثل إمام أوغلو تحديًا مباشرًا لأردوغان، لا سيما أنه نجح في الفوز برئاسة بلدية إسطنبول مرتين، رغم محاولات النظام إيقافه.
كانت شعبيته في تصاعد مستمر، وكان يُنظر إليه على أنه المرشح الأقوى لهزيمة أردوغان في الانتخابات المقبلة.
خوف من تكرار سيناريو 2019: انتصار إمام أوغلو في بلدية إسطنبول عام 2019 كسر هيمنة حزب العدالة والتنمية على المدينة لأكثر من 25 عامًا.
هذا الفوز شكل نقطة ضعف للنظام، لذا فإن السماح له بخوض الانتخابات الرئاسية كان سيكون مخاطرة كبيرة.
تحرك استباقي لاحتواء المعارضة: الحكومة التركية تواجه تحديات اقتصادية خطيرة، وتراجعًا في شعبية أردوغان، وارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض الليرة.
في ظل هذه الأوضاع، أي انتخابات نزيهة قد تحمل مفاجآت غير سارة للنظام.
لذلك، كان لا بد من تحييد إمام أوغلو بأي ثمن.
ثانيًا: كيف تفاعل الشارع التركي؟
بمجرد الإعلان عن اعتقال إمام أوغلو، انفجرت احتجاجات واسعة في إسطنبول ومدن تركية أخرى.
آلاف المتظاهرين خرجوا إلى الشوارع، متحدّين حظر السلطات، وهتفوا بشعارات مناهضة لأردوغان.
الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه، والاعتقالات العشوائية، لكن ذلك لم يُثنِ المتظاهرين عن الاستمرار.
حزب الشعب الجمهوري، الذي ينتمي إليه إمام أوغلو، وصف الاعتقال بـ “الانقلاب المدني”، ودعا أنصاره إلى التصعيد السلمي والاحتجاج المنظم.
اللافت في هذه الاحتجاجات أنها ليست مجرد غضب لحظي، بل تعكس تراكمات استياء شعبي من تراجع الأوضاع المعيشية، وقمع المعارضة، والتوجه الاستبدادي المتزايد للنظام.
ثالثًا: التداعيات الاقتصادية والسياسية
اقتصاديا : في اليوم نفسه، انهارت الليرة التركية إلى 42 ليرة مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى في تاريخها.
البورصة التركية هوت بنسبة 6.87%، ما دفع الحكومة إلى تعليق التداول مؤقتًا.
المستثمرون الدوليون أصبحوا أكثر قلقًا من الاستقرار السياسي في تركيا، مما يهدد الاقتصاد الهش بالفعل.
سياسيًا: الأزمة وضعت أردوغان في مواجهة مباشرة مع جزء كبير من الشارع التركي.
المعارضة التي كانت متفرقة وضعيفة في الفترة الأخيرة، قد تتوحد الآن خلف إمام أوغلو كرمز لمقاومة الاستبداد.
دوليًا، تلقى الاعتقال إدانات أوروبية واسعة، حيث اعتبره مسؤولون أوروبيون دليلًا جديدًا على قمع الحريات في تركيا.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة – هل يسقط أردوغان؟
السيناريو الأول: استمرار الاحتجاجات وتصعيدها إذا لم تهدأ الشوارع وازدادت رقعة التظاهرات، قد يواجه أردوغان أزمة شرعية دولية وضغوطًا داخلية قد تؤدي إلى تقديم تنازلات، مثل الإفراج عن إمام أوغلو أو تأجيل الانتخابات.
السيناريو الثاني: قمع الاحتجاجات بالقوة الخيار الأكثر ترجيحًا هو أن يستخدم أردوغان القبضة الأمنية بوحشية لإخماد أي تمرد محتمل، كما فعل في احتجاجات جيزي بارك عام 2013.
لكن هذه المرة، الوضع أكثر تعقيدًا، لأن الغضب الشعبي ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا أيضًا.
السيناريو الثالث: انتخابات غير نزيهة وبقاء أردوغان في السلطة قد تلجأ السلطة إلى تعديل القوانين الانتخابية، وتكثيف التزوير، وفرض قيود على المعارضة لضمان عدم خسارة أردوغان لأي انتخابات قادمة.
هل نحن أمام زلزال سياسي؟ تركيا تعيش واحدة من أخطر أزماتها السياسية منذ وصول أردوغان إلى الحكم.
اعتقال إمام أوغلو قد يكون خطوة محسوبة من النظام، لكنه أيضًا فتح الباب أمام موجة غضب جديدة قد يصعب السيطرة عليها.
في ظل اقتصاد مترنح، واستقطاب سياسي حاد، ومعارضة قد تجد فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقها، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة لمستقبل أردوغان، وربما لمستقبل تركيا بأكملها.