خاص – تشكل الميليشيات المسلحة في العراق جزءًا معقدًا من المشهد الأمني والسياسي للبلاد. فمنذ الغزو الأمريكي عام 2003، ظهرت العديد من الفصائل المسلحة التي تنوعت بين ميليشيات شيعية وسنية وكردية، بالإضافة إلى تشكيلات عسكرية تمثل الأقليات الدينية والقومية. ومع تطور الأحداث، تحول بعضها إلى قوات شبه رسمية، بينما بقيت أخرى تعمل خارج نطاق الدولة. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، يظل مستقبل هذه الميليشيات قضية جوهرية تؤثر على سيادة العراق واستقراره.
الميليشيات الشيعية: القوة الأكثر نفوذًا
تعد الفصائل الشيعية الأبرز في العراق، خاصة بعد تشكيل الحشد الشعبي عام 2014 استجابة لفتوى “الجهاد الكفائي” التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني لمواجهة تهديد تنظيم “داعش”. واليوم، تقدر أعداد مقاتلي الحشد الشعبي ما بين 300,000 إلى 450,000 مقاتل، ويضم نحو 67 فصيلًا، أبرزها:
1.عصائب أهل الحق: انشقت عن “جيش المهدي” بزعامة مقتدى الصدر، وهي واحدة من أقوى الميليشيات الشيعية المسلحة، وتتمتع بدعم إيراني كبير.
2.كتائب حزب الله: تُعتبر من أكثر الفصائل الشيعية ولاءً لإيران، وتتهم بتنفيذ عمليات عسكرية خارج العراق، خاصة في سوريا.
3.سرايا السلام: الجناح العسكري التابع للتيار الصدري، الذي يتبع مقتدى الصدر، ويلعب دورًا مزدوجًا في السياسة والميدان العسكري.
رغم اندماج بعض هذه الفصائل في المؤسسة الأمنية العراقية، لا تزال هناك مخاوف بشأن استقلالية قراراتها وتأثيرها على الدولة.
الميليشيات السنية: قوة متراجعة ولكن مؤثرة
بعد هزيمة “داعش”، تقلص دور الفصائل السنية المسلحة، لكن بعضها لا يزال نشطًا، ومن أبرز هذه الفصائل:
1.الحشد العشائري: يضم مقاتلين من العشائر السنية، خاصة في الأنبار وصلاح الدين ونينوى، ويعمل تحت مظلة الحشد الشعبي.
2.الجيش الإسلامي في العراق: تأسس في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003، ولعب دورًا بارزًا في مقاومة الاحتلال، لكنه تراجع بعد صعود “داعش”.
ورغم أن هذه الفصائل ليست بالقوة ذاتها التي تتمتع بها الميليشيات الشيعية، إلا أنها لا تزال تشكل عاملًا في التوازن العسكري داخل العراق.
الميليشيات الكردية: قوة منظمة تحت مظلة رسمية
تُعد قوات البيشمركة الكردية القوة المسلحة الرئيسية في إقليم كردستان، وهي جزء رسمي من المؤسسة العسكرية العراقية لكنها تحافظ على درجة عالية من الاستقلالية. وإلى جانب البيشمركة، هناك مجموعات كردية أخرى مثل:
•أنصار الإسلام: جماعة إسلامية متشددة لعبت دورًا في النزاعات الداخلية بكردستان.
•وحدات حماية سنجار: تشكلت من المقاتلين الإيزيديين لحماية مناطقهم بعد هجمات “داعش”.
تسعى حكومة بغداد إلى دمج البيشمركة في الجيش العراقي، إلا أن الخلافات السياسية بين بغداد وأربيل لا تزال تعرقل هذه الجهود.
الميليشيات التابعة للأقليات الأخرى: الدفاع عن الهوية
مع تصاعد خطر الجماعات المتطرفة، تشكلت بعض الفصائل لحماية الأقليات الدينية والقومية، ومن بينها:
•كتائب بابليون: ميليشيا مسيحية تدعمها بعض الفصائل الشيعية، وتعمل في مناطق سهل نينوى.
•قوات سهل نينوى: قوة أخرى مكونة من المسيحيين، وتعمل على حماية المناطق المسيحية من أي تهديدات مستقبلية.
هذه الفصائل تلعب دورًا محوريًا في حماية مجتمعاتها، لكن بعضها يخضع لنفوذ القوى السياسية الأكبر.
التحديات التي تواجه الميليشيات ومستقبلها
يواجه العراق معضلة كبيرة في التعامل مع الميليشيات، حيث تسعى الحكومة إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الأمن ومنع هذه الفصائل من العمل كدول داخل الدولة. في هذا السياق، أصدرت الحكومة العراقية في ديسمبر 2024 قرارًا يُخيّر الميليشيات بين نزع سلاحها أو الاندماج الكامل في القوات الأمنية، في محاولة لتعزيز سيادة القانون وتقليل النفوذ الخارجي، خاصة الإيراني .
وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصًا بين إيران وإسرائيل، تزايدت الهجمات التي تُنفَّذ بواسطة هذه الفصائل، حيث شهد أكتوبر 2024 تنفيذ 90 هجمة بطائرات مسيرة من الأراضي العراقية، مقارنة بـ31 هجمة في سبتمبر، مما أثار قلقًا دوليًا حول استقرار المنطقة .
إلى جانب ذلك، تبقى الأسئلة حول إمكانية تفكيك هذه الفصائل أو ضبط تحركاتها دون الدخول في صدام مسلح بين الحكومة وهذه الميليشيات.
نحو دولة بلا ميليشيات؟
لا يزال مستقبل الميليشيات في العراق غير محسوم. فبينما تحاول الدولة العراقية إعادة بسط نفوذها على جميع أراضيها، تواجه معضلة معقدة تتمثل في الموازنة بين احتواء هذه الفصائل ومنعها من تجاوز سلطات الدولة. ومع استمرار التدخلات الإقليمية، خاصة من إيران والولايات المتحدة، يبقى ملف الميليشيات أحد أخطر التحديات التي ستحدد مصير العراق في السنوات المقبلة.
إما أن تنجح الدولة في دمج هذه الفصائل ضمن مؤسساتها الرسمية، وإما أن يبقى العراق رهينة لسلطة السلاح خارج إطار الدولة، مما قد يؤدي إلى سيناريوهات خطيرة تهدد استقراره ووحدته الوطنية.