خاص – التنافس بين تركيا والسعودية على النفوذ في الشرق الأوسط ظل حاضرًا خلال العقدين الماضيين، متأثرًا بالتحولات السياسية والصراعات الإقليمية.
رغم التقارب الذي شهدته العلاقات في العامين الأخيرين، لا يزال الصراع على النفوذ قائمًا، خاصة في ملفات مثل سوريا، ليبيا، العراق، والقرن الإفريقي.
جذور التنافس بين السعودية وتركيا
برز التنافس بين أنقرة والرياض بوضوح بعد 2011، حيث سعت كل دولة لتعزيز نفوذها عبر دعم قوى مختلفة في الدول التي شهدت اضطرابات.
السعودية دعمت القوى التقليدية المحافظة، بينما مالت تركيا لدعم الحركات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين، مما أدى إلى تضارب المصالح.
أبرز محطات الصراع بين البلدين
2013: دعمت السعودية الإطاحة بجماعة الإخوان في مصر، بينما اعتبرتها تركيا خسارة استراتيجية.
2015: تصاعد الخلاف بسبب دعم تركيا لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا، مقابل دعم السعودية لموقف الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.
2020: سعت السعودية إلى تعزيز العلاقات مع اليونان وقبرص، في إطار مواجهة النفوذ التركي في البحر الأبيض المتوسط.
التحولات الأخيرة في العلاقات التركية السعودية
شهدت العلاقات تحولات كبيرة في 2022، عندما زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السعودية، تبعها زيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى أنقرة، مما أسفر عن توقيع اتفاقيات اقتصادية وتجارية، وتراجع حدة التوترات السياسية.
أبرز محطات التقارب
2022: زيارة أردوغان للسعودية لأول مرة منذ أزمة خاشقجي.
2023: استثمارات سعودية ضخمة في تركيا، تجاوزت 5 مليارات دولار، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية.
2024: اتفاقيات تعاون دفاعي وتنسيق سياسي في ملفات مثل إعادة إعمار سوريا والتوازن في ليبيا.
ملفات النفوذ بين البلدين
سوريا: تحالفات متباينة وتقارب حذر
تركيا وسّعت نفوذها شمال سوريا، حيث تسيطر على مناطق في إدلب وحلب، بينما تدعم السعودية جهود إعادة دمج سوريا في المنظومة العربية.
رغم التباين في المصالح، بدأ البلدان التعاون في إعادة الإعمار والاستثمار في البنية التحتية.
ليبيا: صراع النفوذ العسكري والاقتصادي
تدعم تركيا حكومة طرابلس، بينما تحافظ السعودية على علاقات قوية مع خليفة حفتر.
ومع ذلك، تشير التقارير إلى تفاهمات غير مباشرة بوساطة الإمارات لتقليل التصعيد في البلاد.
العراق: مواجهة النفوذ الإيراني
كل من أنقرة والرياض تسعى لتحجيم النفوذ الإيراني في العراق، لكن بأساليب مختلفة.
السعودية تدعم مشاريع الطاقة والاستثمارات، بينما تعزز تركيا نفوذها من خلال التدخل العسكري في الشمال العراقي ضد حزب العمال الكردستاني.
القرن الإفريقي: بوابة النفوذ الجيوسياسي
الصومال والسودان أصبحا ساحة جديدة للمنافسة، حيث تستثمر السعودية في البنية التحتية والموانئ، بينما تدعم تركيا الوجود العسكري والتعليمي في المنطقة.
التحديات التي تواجه التعاون بين البلدين
على الرغم من تحسن العلاقات، لا تزال عدة تحديات تهدد استدامة هذا التقارب، ومنها
اختلاف الأولويات الجيوسياسية: لا تزال تركيا تنظر إلى الجماعات الإسلامية كحلفاء محتملين، بينما ترفض السعودية هذا التوجه.
التنافس الاقتصادي
رغم زيادة التعاون الاستثماري، تتنافس تركيا والسعودية على النفوذ الاقتصادي، خاصة في قطاع الطاقة والبنية التحتية.
السيناريوهات المستقبلية للتنافس والتعاون
السيناريو الأول: تعزيز الشراكة الاستراتيجية إذا استمرت المصالح الاقتصادية في التوسع، فقد تتحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى، خاصة في ملفات إعادة الإعمار في سوريا والتعاون الاقتصادي في إفريقيا وآسيا الوسطى.
السيناريو الثاني: عودة التوتر بسبب اختلاف التوجهات السياسية في حال تصاعد النفوذ التركي في المنطقة، أو اتخذت السعودية خطوات ضد مصالح أنقرة، فقد تعود التوترات السياسية، خاصة في ليبيا وشرق المتوسط.
السيناريو الثالث: تحالفات متغيرة وفق الأوضاع الإقليمية قد تستمر التفاهمات التكتيكية في ملفات محددة، دون الوصول إلى تحالف استراتيجي شامل، مما يعني استمرار التنافس ولكن بضوابط جديدة.
مرّت العلاقات التركية السعودية بمراحل مختلفة من التنافس والتقارب، مما يعكس ديناميكية المصالح السياسية والاقتصادية.
رغم التحسن الأخير في العلاقات، لا يزال كل طرف يسعى لتحقيق أكبر قدر من النفوذ في الشرق الأوسط.
يعتمد المستقبل على مدى قدرة أنقرة والرياض على تحقيق توازن بين المصالح المشتركة والخلافات العميقة.