خاص – إذا كان للدبلوماسية الإماراتية وجهٌ يعكس قوتها الناعمة ونهجها المعتدل، فإن الدكتور أنور قرقاش هو أحد أبرز ملامح هذا الوجه.
شخصية جمعت بين الحنكة السياسية، الرؤية الاستراتيجية، والقدرة على التأثير العابر للحدود، ليس فقط كمسؤول رسمي، بل كمفكر ساهم في صياغة السياسة الخارجية الإماراتية على مدى سنوات.
المسيرة المهنية.. من الأكاديمية إلى قلب الدبلوماسية
حصل الدكتور أنور قرقاش على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كامبريدج، ومنذ ذلك الحين، وضع بصمته في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأكاديمية.
تولى منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية عام 2008، ليصبح أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الإماراتية.
وفي 2021، كُلّف بمهمة المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، ليواصل دوره في رسم ملامح الدبلوماسية الإماراتية الحديثة.
كان قرقاش أحد العقول المدبرة للنهج الدبلوماسي الذي عزز مكانة الإمارات كقوة إقليمية مسؤولة، ترتكز على مبادئ الحوار، التسامح، والشراكات الاستراتيجية.
ساهم في بناء علاقات متينة مع دول العالم، وتوجيه السياسة الخارجية الإماراتية بعيدًا عن التوترات، مع التركيز على التنمية والاستقرار.
إرساء نهج القوة الناعمة
لم يؤمن الدكتور أنور قرقاش بالقوة الصلبة وحدها كأداة نفوذ، بل راهن على القوة الناعمة كرافعة استراتيجية، وساهم بشكل كبير في وضع الإمارات ضمن قائمة الدول العشر الأكثر تأثيرًا عالميًا عبر القوة الناعمة.
ومن أبرز إسهاماته في هذا المجال:
•تعزيز التسامح والتعددية الثقافية، من خلال دعم المبادرات التي تعزز التعايش السلمي في المنطقة.
•المساهمة في تأسيس أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، التي تهدف إلى تخريج جيل جديد من الدبلوماسيين الإماراتيين الملتزمين بنهج القوة الناعمة. (المصدر)
•إطلاق سياسات خارجية مرنة تعكس مقاربة الإمارات للسلام والاستقرار، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.
مواجهة التطرف ودعم الاستقرار
كان الدكتور قرقاش من أبرز الأصوات التي تصدت لخطاب الكراهية والتطرف في المنطقة،
حيث دعا في أكثر من مناسبة إلى التصدي للفكر المتشدد، ووقف تمدد التيارات المتطرفة التي تهدد استقرار الدول العربية.
كما لعب دورًا بارزًا في ترسيخ نهج الإمارات كدولة داعمة للاستقرار،
حيث أكد مرارًا أن الأمن لا يتحقق إلا عبر نهج تقدمي حداثي، بعيد عن الأيديولوجيات المتطرفة، وهو ما انعكس في السياسات الإماراتية تجاه المنطقة.
مواقف بارزة رسمت بصمته
على مدار مسيرته الدبلوماسية، ترك الدكتور قرقاش بصمة واضحة في ملفات حساسة، أبرزها:
•تعزيز العلاقات الإماراتية التركية، حيث كان له دور بارز في إذابة الجليد بين البلدين،
مما مهد لزيارة تاريخية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الإمارات عام 2022.
•موقفه من القضية الفلسطينية، حيث شدد على دعم الإمارات الثابت لحل الدولتين وحقوق الفلسطينيين،
مع التأكيد على أهمية إيجاد حل سياسي عادل وشامل.
•إرسال المساعدات الطبية لإيران خلال جائحة كورونا، في خطوة عكست التزام الإمارات بالقيم الإنسانية، رغم الخلافات السياسية.
إرث دبلوماسي مستدام
يمثل أنور قرقاش نموذجًا للدبلوماسي العربي العصري، الذي يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والحكمة السياسية،
حيث كان أحد الأعمدة التي ساهمت في تحويل الإمارات إلى قوة إقليمية يُحسب لها حساب.
واليوم، يواصل تقديم رؤاه وتحليلاته حول المشهد السياسي الإقليمي والدولي، ويبقى أحد أبرز الأصوات العاقلة في منطقة تعج بالتوترات،
مجسدًا فلسفة الإمارات في بناء الجسور بدلًا من الجدران، وترسيخ الاستقرار بدلًا من الصراعات.