شهدت موسكو اليوم نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا للرئيس عبد الفتاح السيسي على هامش القمة الروسية الأفريقية الثالثة، وكان أبرز محطاته لقاؤه بالرئيس فلاديمير بوتين في قصر الكرملين. وجاءت الزيارة في إطار مشاركة مصر في أعمال القمة، مع تركيز واضح على ملفات التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وفي مقدمتها مشروع محطة الضبعة النووية، إلى جانب قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك.
لقاء موسكو وبحث الشراكة الاستراتيجية
استقبل الرئيس الروسي نظيره المصري مرحبًا بزيارته ومشاركته في القمة، فيما أعرب السيسي عن اعتزازه بالعودة إلى روسيا وتقديره لاستضافة القمة، مؤكدًا حرص مصر على تعميق الشراكة الاستراتيجية مع موسكو وتطوير التعاون في مختلف المجالات. وقد عكس اللقاء، كما ورد في مجرياته، رغبة متبادلة في دفع العلاقات الثنائية إلى مستويات أوسع، مع إبقاء قنوات التشاور السياسي مفتوحة ومستمرة بين الجانبين.
وتناول الجانبان تطورات المشروعات المشتركة، وعلى رأسها الخطوات المرتبطة بتنفيذ محطة الضبعة النووية، فضلًا عن بحث إقامة منطقة صناعية روسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ويأتي طرح هذا الملف في سياق الاهتمام المشترك بتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، بما يضيف بعدًا عمليًا إلى الشراكة القائمة بين القاهرة وموسكو، ويعزز من حضورها في مشروعات طويلة الأمد.
كما شمل الحوار سبل تعزيز التعاون في التجارة والصحة والسياحة والتعليم والبحث العلمي، بما يعكس اتساع أجندة العلاقات الثنائية. وأكد الجانبان أهمية مواصلة التشاور والتنسيق السياسي، في ظل ما تمثله مصر من ركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط، مع الإشارة إلى حرص روسيا على تكثيف هذا التنسيق. ويظهر من ذلك أن اللقاء لم يقتصر على الملفات الاقتصادية، بل امتد إلى مجمل مسارات التعاون التي تجمع البلدين في أكثر من قطاع.
الضبعة في صدارة المباحثات
قبل لقاء بوتين، استقبل السيسي في موسكو أليكسي ليخاتشوف، المدير العام للوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية، في إطار متابعة التعاون المرتبط بمحطة الضبعة. وخلال اللقاء، جرى التأكيد على أهمية استمرار العمل لتنفيذ المشروع وفق الأطر الزمنية المحددة، مع الإعراب عن التقدير للتعاون القائم في هذا الملف الحيوي. ويعكس هذا الاجتماع السابق مباشرة للقمة الرئاسية أن ملف الضبعة ظل في صدارة الاهتمام خلال الزيارة، بوصفه أحد أبرز مجالات التعاون بين القاهرة وموسكو.
ويأتي هذا التحرك ضمن سلسلة اتصالات تتصل بالمشروع النووي المصري، الذي يحظى بمتابعة مباشرة على مستوى القيادة السياسية، باعتباره أحد أبرز مجالات التعاون بين القاهرة وموسكو. كما أن إدراج هذا الملف في مقدمة المباحثات يؤكد مكانته ضمن أولويات العلاقات الثنائية، خاصة مع ارتباطه بخطوات تنفيذية محددة وبالتنسيق المستمر بين الجهات المعنية في البلدين.
قضايا إقليمية ودولية على الطاولة
امتد النقاش بين الرئيسين إلى تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والأزمة الأوكرانية. وفي ما يخص الشرق الأوسط، شدد الجانبان على ضرورة خفض التصعيد واستعادة الأمن والاستقرار، مع تأكيد أهمية استمرار الجهود السياسية والدبلوماسية. ويعكس هذا التوافق إدراكًا مشتركًا لحساسية المرحلة وما تفرضه من حاجة إلى حلول سياسية تقلل من التوتر وتدعم الاستقرار الإقليمي.
وفي القرن الأفريقي، أكد السيسي ضرورة الحفاظ على السلم والاستقرار واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. كما جدد الرئيس المصري موقف بلاده من قضية المياه باعتبارها قضية وجودية، رافضًا الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي. ويأتي هذا الموقف ضمن ثوابت السياسة المصرية التي تربط بين الأمن المائي وحقوق الدول في إطار من الاحترام المتبادل وعدم فرض الأمر الواقع.
وفي الملف الأوكراني، أكد السيسي دعم مصر لأي مساعٍ تستهدف إنهاء الأزمة عبر المفاوضات والتسوية السياسية، بما يحد من تداعياتها الدولية. وبذلك شمل الحوار بين الرئيسين ملفات تتجاوز العلاقات الثنائية المباشرة إلى قضايا دولية وإقليمية أوسع، ما يعكس طبيعة التشاور بين القاهرة وموسكو بوصفه تشاورًا متعدد المسارات يجمع بين التعاون العملي ومتابعة التطورات السياسية في أكثر من ساحة.