عبد العاطي في إسطنبول لبحث ليبيا وتنسيق المواقف الإقليمية مع تركيا والدول الأوروبية

تحركت القاهرة على مسارين متوازيين في يوم واحد، أحدهما دبلوماسي في إسطنبول والآخر اقتصادي في منتدى مصر 2026، في مشهد يعكس تزامن الاهتمام بملفات الإقليم مع السعي إلى تثبيت ملامح برنامج اقتصادي جديد. ففي إسطنبول، شارك وزير الخارجية بدر عبد العاطي في اجتماعات مخصصة لبحث تطورات المنطقة، وشدد على ضرورة تكثيف الجهود لمنع تفاقم التوترات واحتواء أي تصعيد، مع دعم المسارات السياسية والدبلوماسية بما يحفظ أمن دول المنطقة واستقرارها. وفي القاهرة، حملت الرسائل الحكومية في المنتدى الاقتصادي تأكيدا على أن الدولة تتجه إلى نموذج نمو مختلف يقوم على الإنتاجية والاستثمار والانضباط المالي.

تحرك دبلوماسي في إسطنبول

قبل وصوله إلى إسطنبول، أجرى وزير الخارجية اتصالا بنظيره الإماراتي تناول سبل تعزيز التعاون الثنائي، إلى جانب التنسيق بشأن التطورات الإقليمية وضرورة دعم الحلول السياسية. وجاء هذا الاتصال ضمن سلسلة من التحركات التي سبقت المشاركة المصرية في الاجتماعات، بما يعكس حرص القاهرة على تنسيق المواقف مع شركائها الإقليميين حيال الملفات المفتوحة في المنطقة.

وتوجه عبد العاطي بعد ذلك إلى إسطنبول للمشاركة في اجتماع الآلية الوزارية الرباعية التي تضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا، وكذلك الاجتماع المشترك مع دول مجموعة E3. وتركزت هذه اللقاءات على بحث المستجدات في المنطقة، إلى جانب إجراء لقاءات ثنائية مع عدد من المسؤولين لتنسيق المواقف حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك. ويأتي هذا الحضور المصري في إطار مشاورات أوسع تُجرى على هامش الاجتماعات، بما يتيح تبادل الرؤى حول التطورات الإقليمية وسبل التعامل معها.

وفي إسطنبول، التقى عبد العاطي وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وكان الملف الليبي في صدارة المحادثات. وتناول اللقاء تطورات الوضع في ليبيا، حيث أكد الوزير المصري موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة ليبيا، مع التشديد على رفض تصديق ليبيا على مذكرة التفاهم البحرية. كما بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية الأوسع، في إطار المشاورات الجارية على هامش الاجتماعات، بما يبرز أن النقاش لم يقتصر على الملف الليبي وحده، بل امتد إلى مجمل القضايا ذات الصلة باستقرار المنطقة.

ويعكس هذا المسار الدبلوماسي رغبة القاهرة في الدفع نحو حلول سياسية وتنسيق المواقف مع تركيا والدول الأوروبية المعنية عبر مجموعة E3، إلى جانب استمرار التواصل مع أطراف إقليمية أخرى مثل الإمارات. وفي خلفية هذه التحركات، يظل الهدف المعلن هو منع التصعيد، واحتواء التوترات، والحفاظ على أمن دول المنطقة واستقرارها عبر أدوات سياسية ودبلوماسية.

رسائل اقتصادية من منتدى مصر 2026

بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، شهد منتدى مصر 2026 رسائل حكومية ركزت على ملامح برنامج وطني للتحول الاقتصادي. وعرض وزير المالية أحمد كجوك تصورًا يقوم على بناء نموذج جديد للنمو يعتمد على الإنتاجية وزيادة الاستثمارات، مع التركيز على القطاعات الخدمية الرائدة وريادة الأعمال. ووفق ما عرضه، فإن هذا التوجه لا يقتصر على إعلان أهداف عامة، بل يستند إلى إطار اقتصادي متكامل أعدته وزارات المالية والتخطيط والبنك المركزي، بحيث ينسق بين السياسات المختلفة ويجمعها في مسار واحد.

وأوضح كجوك أن الشهرين المقبلين سيشهدان حوارا موسعا حول البرنامج قبل الوصول إلى صيغته النهائية، في إشارة إلى أن ما يجري هو عملية بلورة تفصيلية للسياسات قبل اعتمادها بصورة مكتملة. كما أشار إلى أن المستهدفات أصبحت أكثر واقعية بعد تحسن النمو وزيادة الاستثمارات الخاصة والاستثمار الأجنبي المباشر وتحقيق فائض أولي جيد، مع التأكيد على استمرار الانضباط المالي. وتقدم هذه الرسائل صورة لمرحلة تسعى فيها الحكومة إلى الموازنة بين توسيع النشاط الاقتصادي والحفاظ على قواعد الانضباط في إدارة المالية العامة.

وفي الجلسات نفسها، تحدث وزير التخطيط عن إنشاء مركز لريادة الأعمال يهدف إلى دعم أفكار الشباب وتحويلها إلى خطط قابلة للتنفيذ. وشرح أن المركز لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يساعد في تحليلها وبناء مسارات عملية لها حتى تصل إلى التمويل والتنفيذ، بما يربط بين المبادرة الفردية والقدرة على التطبيق. ويأتي هذا الطرح في سياق أوسع يربط بين تنمية المهارات، وتحفيز الابتكار، وتوسيع قاعدة المشاركة في النشاط الاقتصادي.

كما أعلن وزير العمل ضخ 7.3 مليار جنيه لحماية ورعاية العمالة غير المنتظمة، وهو رقم يعكس حجم الاهتمام بهذه الفئة ضمن السياسات الاجتماعية المصاحبة للبرنامج الاقتصادي. وفي الملف الخدمي، شدد وزير الكهرباء على تكثيف الصيانة لخفض فقد الشبكات وتطبيق القانون بحزم لمواجهة سرقات التيار، في إشارة إلى أن تحسين كفاءة المرافق العامة جزء من الجهد الحكومي الأوسع لضبط الأداء وتقليل الهدر. أما وزير البترول، فأكد أن استثمارات قطاع الطاقة تعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات، بما يربط بين تدفقات الاستثمار في القطاع وبين قدرة الاقتصاد على الصمود والتكيف.

ملفات اجتماعية ونقدية موازية

امتدت الرسائل الحكومية في المنتدى إلى ملفات اجتماعية ونقدية موازية، إذ أكدت وزيرة التضامن أن 10 ملايين مستفيد يحصلون على خدمات الهلال الأحمر المصري. ويعطي هذا الرقم بعدا إضافيا للنقاش حول الحماية الاجتماعية، باعتبارها جزءا من المشهد الاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى الحكومة إلى إدارته بالتوازي مع الإصلاحات الأخرى.

وفي السياق النقدي، قال محافظ البنك المركزي إن المستهدف خفض التضخم إلى 7% في النصف الثاني من 2027. ويأتي هذا الهدف ضمن نقاش أوسع حول مسار الاقتصاد المصري، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى الحفاظ على الاستقرار المالي وتوسيع قاعدة الإنتاج والاستثمار. وبينما تركز الرسائل الحكومية على النمو والإنتاجية والانضباط، فإنها تربط أيضا بين السياسة النقدية والمالية والاجتماعية في إطار واحد، بما يعكس محاولة لصياغة رؤية متكاملة للمرحلة المقبلة.

وبين إسطنبول والقاهرة، بدت الصورة العامة قائمة على تحرك متزامن في السياسة والاقتصاد: دبلوماسية نشطة تبحث عن تهدئة التوترات وتنسيق المواقف بشأن ليبيا والتطورات الإقليمية، ورسائل اقتصادية تؤكد أن الدولة تعمل على إعادة تشكيل نموذج النمو، مع الاعتماد على الاستثمار والإنتاجية وريادة الأعمال، إلى جانب استمرار الانضباط المالي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والنقدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *